لصباحاتِ المدينةِ شايُ أُختي،
لِقَهوَةِ الْمَساءِ ضَوعُ الزُّقاقِ،
لِخُبزِ الطابونِ الشَّتَوي وَجهُ أُمي،
لِموقِدِ النَّار القَديمِ في وِجاقِ بَيْتِنا
كومةُ أثوابي،
لدائرةِ الصِّغارِ قرصُ قَلْبي حَوْلَ صَحنِ
زَيْتٍ وَزَعْتَر.
نَنْتَشِرُ على وَقْعِ نُتوءات الشَّمْسِ
وعلى طَريقِ المدرَسةِ الموحِلة،
والمعلّمُ يُقَطِّبُ وَجْهَ الصَّفحات،
والمقعدُ قُرْبَ النافذةِ،
والبردُ يتجمَّدُ في المعطفِ الخفيف،
وأخْشى العصا والناظر
حينَ يَتَزَاحَمُ الخوفُ قُرْبي
من الطبشورة والصور المبعثرة..
أُتْرُكْني لِلْغَدِ أيها الممسوس،
لأعودَ صَبِيًّا في ساحة الذكرى،
والضجيج يأخذني إلى هناك؛
إلى الراويةِ والخبزِ النافذِ،
إلى نرجسِ الشتاءِ،
وريقِ الجذورِ الصغيرةِ،
والصخرِ المغسولِ للناي
وحليبِ التين الآتي.
الأحد، 7 ديسمبر 2008
صبيحة
مضيتُ أَبْحَثُ عَنْ إغماضة الوردة لأغفوَ..
وتَحْمِلَني إلى جريدِ نَخلةٍ في جَنائِنَ مُقفرةٍ،
هَلاّ سأمضي إلى جَنتّي هاجرًا شواظَ الجحيمِ؟
وأيُّ بلادٍ سَتَفْتَحُ لِعَيْنيَّ أبوابَها العمياءَ؟
عاصمةُ المدائنِ! ما وَصَلَتْ قَلْبي عُشْبةٌ
فمتى ستكونُ العاصمةُ عشبةَ الخلود؟
ويَنْتَهي "أَنْكيدو" مِنْ صِراعِ صَديقِهِ الباحثِ
عَنْ سِرّهِ الأَبديِّ؟
قَلْبي عُشْبةٌ مُمَرعةٌ لضفائر عاصِمَةِ المدائِنِ..
طِفْلٌ على السّورِ يُطْلِقُ شمسَ الأغاني والطائرات..
ويُعطي للبناتِ كسلَ الوميضِ،
حينَ تنْزَوَي (صبيحةُ) تبحثُ عَنْ نومٍ قَديم،
وعَنْ سَقْفٍ من سماءٍ لا تَعْبرُهُ
سِهام الجحيم.
أريدُ سقفَ اللّهِ نظيفًا
هُنا كانتْ أغنياتُ بناتِ النبعِ..
حلاّباتِ الماعزِ الجبليِّ،
وأصابعُ رعاةٍ ينهضونَ تَحتَ جُنون النايات،
أطفالٌ يعومونَ في الغيمِ المفتوح،
ونساءٌ يَقْطِفْنَ الخَبّازيَّ ،
من سُرّةِ الظهيرةِ المُكَوّرة
بِحجمِ قَطاةِ قلوبِهنّ
بِحجمِ أعمارِهنّ كانَ المساءُ
يَفْرِد دُرّاعتَه.. يُطلُّ كي
نشعلَ أعيننا قناديلَ ليمشي المساءُ
دونَ عثرةٍ إلى بيوتنا في المساءْ!
وتَحْمِلَني إلى جريدِ نَخلةٍ في جَنائِنَ مُقفرةٍ،
هَلاّ سأمضي إلى جَنتّي هاجرًا شواظَ الجحيمِ؟
وأيُّ بلادٍ سَتَفْتَحُ لِعَيْنيَّ أبوابَها العمياءَ؟
عاصمةُ المدائنِ! ما وَصَلَتْ قَلْبي عُشْبةٌ
فمتى ستكونُ العاصمةُ عشبةَ الخلود؟
ويَنْتَهي "أَنْكيدو" مِنْ صِراعِ صَديقِهِ الباحثِ
عَنْ سِرّهِ الأَبديِّ؟
قَلْبي عُشْبةٌ مُمَرعةٌ لضفائر عاصِمَةِ المدائِنِ..
طِفْلٌ على السّورِ يُطْلِقُ شمسَ الأغاني والطائرات..
ويُعطي للبناتِ كسلَ الوميضِ،
حينَ تنْزَوَي (صبيحةُ) تبحثُ عَنْ نومٍ قَديم،
وعَنْ سَقْفٍ من سماءٍ لا تَعْبرُهُ
سِهام الجحيم.
أريدُ سقفَ اللّهِ نظيفًا
هُنا كانتْ أغنياتُ بناتِ النبعِ..
حلاّباتِ الماعزِ الجبليِّ،
وأصابعُ رعاةٍ ينهضونَ تَحتَ جُنون النايات،
أطفالٌ يعومونَ في الغيمِ المفتوح،
ونساءٌ يَقْطِفْنَ الخَبّازيَّ ،
من سُرّةِ الظهيرةِ المُكَوّرة
بِحجمِ قَطاةِ قلوبِهنّ
بِحجمِ أعمارِهنّ كانَ المساءُ
يَفْرِد دُرّاعتَه.. يُطلُّ كي
نشعلَ أعيننا قناديلَ ليمشي المساءُ
دونَ عثرةٍ إلى بيوتنا في المساءْ!
لـ..ي..ت
ليتَ جناحًا لي كي تحملَني الريّحُ
على كتفِ الرّيحِ
كريشةِ طائر.
ليتَ شراعي شالُُكِ
ليكونَ بينَ يديكِ
كموجِ البحرِ الهادر.
وإني أحملُ
نصفَ جوازِ الرّحلةِ
نِصفَ الأوْبَةِ
نِصفَ خُطايَ
ونصفَ سبيلي
نصفَ خَطايايَ
ونِصفَ القطرةِ من زادٍ خاثر.
ليتَ شراييني أوتارٌ يَضربُها طفلٌ
أوْ شَطْرُ صدىً في شرفاتٍ تعلو
في ليلٍ ذهبيٍّ لِمُهاجر.
ليتَ الأغنيةَ الأولى نعشٌ
يَحملُني ويُطوّفُ بي سبعًا
كَيْ أبقى أغنيةً ستلمُّ عظامَ الأغنيةِ البكرِ
وتولدُ من بينَ حُطامٍ وقياثر.
على كتفِ الرّيحِ
كريشةِ طائر.
ليتَ شراعي شالُُكِ
ليكونَ بينَ يديكِ
كموجِ البحرِ الهادر.
وإني أحملُ
نصفَ جوازِ الرّحلةِ
نِصفَ الأوْبَةِ
نِصفَ خُطايَ
ونصفَ سبيلي
نصفَ خَطايايَ
ونِصفَ القطرةِ من زادٍ خاثر.
ليتَ شراييني أوتارٌ يَضربُها طفلٌ
أوْ شَطْرُ صدىً في شرفاتٍ تعلو
في ليلٍ ذهبيٍّ لِمُهاجر.
ليتَ الأغنيةَ الأولى نعشٌ
يَحملُني ويُطوّفُ بي سبعًا
كَيْ أبقى أغنيةً ستلمُّ عظامَ الأغنيةِ البكرِ
وتولدُ من بينَ حُطامٍ وقياثر.
وشوشات المطر
(باسم وحورية)
تُمْطِرُ البروقُ على البسيطة اليباب
والأطفالُ يتسلَّقون جدران النسيج الرّخو
وشيخٌ يَحْسِبُ المواسمَ
ويُحجّلُ الدخان والدفاترَ الشائكة،
يبلِّلُ خاطرَها
فتَنْتَشَيَ بالغمزةِ البكرِ،
وتروقُ كامرأةٍ في مساءِ الأعراس،
تشربُ آبارَها الرانِخة،
وتغنّي لوليدٍ سيأتي
حين تَرِدُ الفارعةُ على يَنَابيعِها
يُطِلُّ باسمُ مودِّعًا
يُحْضِرُ بطاقات بريدِ الشُّهداءِ؛
بالأمس:
ثلاثةٌ..
خمسةٌ... سَقطوا عاليًا
مُضرَّجين بعباءات الهتافات المائسةِ
على أكتاف الغَضَب..
يا صديقي.. كم رفعتَ نَخب فداحَتِنا؟!
وكم ظلَّ في الكأسِ المُرّةِ؟
وكم بلغ الطوفان؟
كم ثكلى ستكون رقمًا على شريطِ الإشهار؟
والأيامى، هل تكفي أصابِعُنا لِيَصْطَّفوا مِنْ جَديدٍ على الألواحِ؟!
ستَتَلَوَّنُ عناوينُ الصحفِ..
ما بين سوادِ الحُزنِ،
وقانا الصلبان التي لا تُحصى تَحت الرَّدمِ..
ويبقى السؤالُ عالقًا على سياجِ الصَّمْتِ، والمؤامرة،
وعلى مدرجِ الموتِ المجّاني الْمُمضّ
وبِكَلاليبِ لَحمي الممزّع في الأنفاس..
وثَمّة ما يَختلجُ في الطرقات!
تُمْطِرُ البروقُ على البسيطة اليباب
والأطفالُ يتسلَّقون جدران النسيج الرّخو
وشيخٌ يَحْسِبُ المواسمَ
ويُحجّلُ الدخان والدفاترَ الشائكة،
يبلِّلُ خاطرَها
فتَنْتَشَيَ بالغمزةِ البكرِ،
وتروقُ كامرأةٍ في مساءِ الأعراس،
تشربُ آبارَها الرانِخة،
وتغنّي لوليدٍ سيأتي
حين تَرِدُ الفارعةُ على يَنَابيعِها
يُطِلُّ باسمُ مودِّعًا
يُحْضِرُ بطاقات بريدِ الشُّهداءِ؛
بالأمس:
ثلاثةٌ..
خمسةٌ... سَقطوا عاليًا
مُضرَّجين بعباءات الهتافات المائسةِ
على أكتاف الغَضَب..
يا صديقي.. كم رفعتَ نَخب فداحَتِنا؟!
وكم ظلَّ في الكأسِ المُرّةِ؟
وكم بلغ الطوفان؟
كم ثكلى ستكون رقمًا على شريطِ الإشهار؟
والأيامى، هل تكفي أصابِعُنا لِيَصْطَّفوا مِنْ جَديدٍ على الألواحِ؟!
ستَتَلَوَّنُ عناوينُ الصحفِ..
ما بين سوادِ الحُزنِ،
وقانا الصلبان التي لا تُحصى تَحت الرَّدمِ..
ويبقى السؤالُ عالقًا على سياجِ الصَّمْتِ، والمؤامرة،
وعلى مدرجِ الموتِ المجّاني الْمُمضّ
وبِكَلاليبِ لَحمي الممزّع في الأنفاس..
وثَمّة ما يَختلجُ في الطرقات!
ساعي البريد
غَابَ سَاعِي البَرِيْدِ
وَأَيَّامُهُ المُغَطَّاةُ بِالتَّرَقُّبِ والانتظار
وَخَطَوَاتُه المُتَرَّبةُ..
غَابَ، وَلا نَدْرِي أَيْنَ ذَهَبَتِ الرَّسَائِلُ!
وَلَعَلَّنَا كَبِرْنَا، وَنَسِينَا،
لَكِنَّ المَكْتوبَ هُنَاكَ؛
المَكْتُوبَ المطْوِيَّ عَلَى وَجَعٍ لَمْ يَكْبُرْ..
وَالدَّهْشَةُ مَا زَالَتْ بِكْرًا!
وَنَنْظُرُ، فَنَرَى عُصْفُورًا يَحْمِلُ
أَوْرَاقًا، فَنَظُنُّ بَأَنَّ العصْفُورَ
صَدِيْقُ الغَائِبِ،
وَنَنْسَى أَن ثَمَّةَ أَخْبَارًا بَيْضَاءَ
بَقِيَتْ فِي سَوَادِهَا..
لِمَاذَا غِبْتَ أَيُّهَا السَّاعِي الذِي
كُنْتَ تُحْضِرُ لَنَا أَهْلَنَا أَجْمَعِينَ
فَنَبْكِي كَمَا يَنْبَغِي.. وَنَبْكِي كَمَا يَشَاؤونَ.
وَأَيَّامُهُ المُغَطَّاةُ بِالتَّرَقُّبِ والانتظار
وَخَطَوَاتُه المُتَرَّبةُ..
غَابَ، وَلا نَدْرِي أَيْنَ ذَهَبَتِ الرَّسَائِلُ!
وَلَعَلَّنَا كَبِرْنَا، وَنَسِينَا،
لَكِنَّ المَكْتوبَ هُنَاكَ؛
المَكْتُوبَ المطْوِيَّ عَلَى وَجَعٍ لَمْ يَكْبُرْ..
وَالدَّهْشَةُ مَا زَالَتْ بِكْرًا!
وَنَنْظُرُ، فَنَرَى عُصْفُورًا يَحْمِلُ
أَوْرَاقًا، فَنَظُنُّ بَأَنَّ العصْفُورَ
صَدِيْقُ الغَائِبِ،
وَنَنْسَى أَن ثَمَّةَ أَخْبَارًا بَيْضَاءَ
بَقِيَتْ فِي سَوَادِهَا..
لِمَاذَا غِبْتَ أَيُّهَا السَّاعِي الذِي
كُنْتَ تُحْضِرُ لَنَا أَهْلَنَا أَجْمَعِينَ
فَنَبْكِي كَمَا يَنْبَغِي.. وَنَبْكِي كَمَا يَشَاؤونَ.
دوثــان
هذا الـ"دوثان" الكنعانيُّ/ وذاكَ الجُبُّ الـ ما زالَ يَرنُّ بهِ صوتُ النبيِّ/ والسَّيارةُ الـ تصعد في مسربِها إلى طريقِ الجبلِ.. تتماوجُ في صدى الصوتِ، وتلمسُ السّهلَ في غفوتهِ على رُكبةِ الفجرِ/ "دوثان" الشاهدُ على كعبِ فلستيٍّ دَقَّ كعبَهُ في وادِ التفاحِ على رقصٍ فينيقيٍّ وصَيحةِ قطاةٍ تُسْحِرُ السَّفحَ/ توقظُ الحُبَّ الخَجِلَ في عيونِ وَرّاداتِ الماءِ ربّاتِ الجِرارِ/ ليتطايرَ السُّمّنُ على صوتٍ حادٍ توضأ بالجُبِّ وتعالى بالعنّاتِ/ "دوثان" الاسمُ الأوّلُ واسمُنا الأخيرُ/ وشمٌ في الذاكرةِ/ الاسمُ الذي تدخلُ فيهِ الأسماءُ وتُخلقُ منهُ الأسماءُ/ ما زالَ ينادينا بأسماءِ جَدّاتنا وآبائنا كي لا ننسى أو لا يُنسى"دوثان"..
(1)
سَنابِكُ الخيلِ تنعفُ رائحةَ الترابِ..
تُحَمْحِمُ بشهوةٍ للأعشابِ
المُندّاةِ خلفَ سياجِ الحقلِ،
وعينانِ تطوفان بِحدودِ الجفنِ الناعسِ
تعدُّ الفراشاتِ
تنده فراخَ الحجلِ
تغازل الزّرزورَ الآتي من شتاءٍ قصيٍّ
والدُّوريّاتِ الـ يغرّدن على مَتْنِ العُلّيْقِ
والشمسُ تُدْفئُ الأرضَ الباردَةَ
و(مهارونُ) يَسقي رعاةً ملّوا عزفَ النايِّ بلا رقصٍ
نبيذًا يَحْتسونَهُ براحاتِهم
يتنشَّقونَ عرَقَ الماشيةِ
وحجارَةَ الأيامِ
والعشبَ الذي يمنحُهمْ قمصانًا لا تذوي.
تتراءى الخيلُ من دوثانَ الـ نامتْ على ثُمالةٍ
وطعمُ النومِ الـ مازالَ عالقًا على أهدابِ الفجرِ
والثوبُ الورديُّ تُطَيّرُه هَفهفةُ صوتِ الجُبِّ
تُطِلّ على وادِ التفاحِ
على أشجارِ طابورِ الصباحِ
وقنواتُ المياهِ تلفُّ الخَصْرَ المايلَ بذراعٍ
والأخرى تَلْمَسُ العنقَ لترويَ جوعَ الليمون
تروي أشجارَ الخشخاشِ
والحارسُ يَمْتُقُ ريقَهُ ويَنْفُثُ تَبْغَهُ
لا يعرفُ أنَّ في الكونِ
حقولاً وفراديسَ من لبنِ الطيرِ...
(2)
الخيولُ المتعبةُ من غزواتِ الأمسِ
المُبللةُ من شَمْسِ دوثان، وعرقِ النهارِ،
وبقايا الجثثِ المنسيةِ في عزلةِ الكهوفِ
سهمٌ يُشيرُ... روما مرَّتْ مِنْ هنا...
هنا... أرصفةٌ وحجارةٌ وخُطى عرباتٍ قديمةٍ
وتُرْسٍ صَدِئَتْ عليه السنواتُ
وصُلبتْ عليهِ البطولاتُ.
أوكتافيوس.. أنت هنا؟
هذا الحصانُ قلبُكَ
يلهثُ على بواباتِ السماءِ في دوثانَ
أين بواباتِ القَصْرِ؟
أينَ حرّاسُك النُّبلاءُ الملائكةُ الفدائيونَ؟
أسألُكَ اليْومَ التاجَ مُضاعًا
لكنْ.. من يسألُ عن نبيِّ الجبِّ الـ كان هنا؟
أسألُهُ: لماذا تَرَكْتَ الخوفَ مزروعًا... هنا؟
هنا... واد التفاحِ تَعْرفُه
جِئْنا بَعْدَكَ... نَعْرِفُهُ
غَمّسْناهُ إفطارًا ونَعِسْنا على ذراعَيْهِ
حَلُمْنا برومِيّةٍ
يرنُّ الليلُ خلخالَها الذهبيَّ المرصَّعَ بِماسةٍ فارسية،
كَحُلمِ الأزهارِ الموؤودةِ في حقلِ الألغامِ
حلمِ الريحِ الـ تُراكِضُ ظبيةَ الربيعِ النافرةِ
على الحشائِشِ الغضّةِ
كأوّلِ شهقةٍ لنافذةٍ في دوثان...
(3)
الطّفلُ الذي ينظرُ حبّاتِ التفاحِ
وعيونٌ تُطِلُّ من جَسَدٍ تورَّدَتِ الألفةُ فيه
كَرهًا لأسيجةٍ شائكةٍ يَعْلَقُ فيها الصباحُ
كثًّا كشَاربانِ نَسيَهما الحارسُ كالنارنج
والحاجبُ يقي العرقَ المتصببَ
كأقنيةٍ تعبُّ ماءَ البئرِ
كالصباحاتِ الملغومَةِ بالسّنونو
حين تكونُ بلا حُلُمٍ جَميلْ...
(4)
صباحُ الخيرِ يا حقلَ الحكاياتِ
يا حقلَ الناياتِ والرباباتِ والأنغامْ.
صباحُ الخير يا حقلاً يتفتحُ بالألغامِ،
بالفراشاتِ
بِقُرُنْفُلَةٍ
بأريجِ الزّعْتَرِ
بالقصّابِ والنحلِ البريّ..
صباحُ الخيرِ يا دوثان
دمعةٌ، حين لا تصافِحُكَ، هيَ
يدُ طفلٍ مبللةٌ بصوتِ الجبِّ
بشهوة الخيلِ التي تلعبُ في المرجِ
وبشهوةِ العطشِ.
يا حقلاً
ننبتُ فيهِ
وندفنُ فيهِ
ونبعثُ فيهْ.
----------------------------------------------------------------------------
تل دوثان: من المواقع الأثرية في عرابة، ويعتبر من أهم المواقع الأثرية الفلسطينية، وهو من أهم مصادر دراسة التاريخ الفلسطيني القديم. يقع التل إلى الشرق من عرابة على بعد 2 كم. جرت فيه بعض الحفريات العلمية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين بمبادرة من المدرسة الأمريكية للأبحاث الشرقية. توصلت نتائج هذه الحفريات إلى الكشف عن توالي تتابع سكني في الموقع نفسه من 19 حقبة تاريخية رئيسية، حيث أنتجت التراكمات هذا التل الكبير الذي كان أهم تلك الفترات وهي الفترة البرونزية الكنعانية، فكانت إحدى أهم الممالك الكنعانية الحصينة في فترة العصور البرونزية، وقد تم العثور على أعداد هائلة من الأدوات والقطع الأثرية في هذا الموقع، والتي في معظمها إما صدّر للخارج أو موجود في المتحف الفلسطيني في القدس أو في متحف عمّان في جبل القلعة. وكانت تمر من هذا الموقع؛ الطريق التي تقطع أواسط البلاد من شمالها إلى جنوبها ثم إلى سيناء فمصر، وذكر أن سيدنا يوسف (عليه السلام) ألقي فيه، أي الجُبُّ من قبل إخوتهِ، ويعرف حاليًّا بـ(نبع الحفيرة)، وهو مجاور تمامًا لتل دوثان، وكان ذلك حسب الروايات التاريخية سنة 1678 ق.م. وقصته مشهورة ذكرها القران الكريم في سورة يوسف. وعلى ضوء هذه الرواية التاريخية حرص الحجاج المسيحيون المتجهون إلى الناصرة على المرور بهذا الموقع إلى أن تدخل الاحتلال العام 1967 وعمل على تحويل مسار الحج المسيحي.
Palestine and Israel /page 92
مشروع كتاب: "تاريخ عرابة": حسين العطاري.
(1)
سَنابِكُ الخيلِ تنعفُ رائحةَ الترابِ..
تُحَمْحِمُ بشهوةٍ للأعشابِ
المُندّاةِ خلفَ سياجِ الحقلِ،
وعينانِ تطوفان بِحدودِ الجفنِ الناعسِ
تعدُّ الفراشاتِ
تنده فراخَ الحجلِ
تغازل الزّرزورَ الآتي من شتاءٍ قصيٍّ
والدُّوريّاتِ الـ يغرّدن على مَتْنِ العُلّيْقِ
والشمسُ تُدْفئُ الأرضَ الباردَةَ
و(مهارونُ) يَسقي رعاةً ملّوا عزفَ النايِّ بلا رقصٍ
نبيذًا يَحْتسونَهُ براحاتِهم
يتنشَّقونَ عرَقَ الماشيةِ
وحجارَةَ الأيامِ
والعشبَ الذي يمنحُهمْ قمصانًا لا تذوي.
تتراءى الخيلُ من دوثانَ الـ نامتْ على ثُمالةٍ
وطعمُ النومِ الـ مازالَ عالقًا على أهدابِ الفجرِ
والثوبُ الورديُّ تُطَيّرُه هَفهفةُ صوتِ الجُبِّ
تُطِلّ على وادِ التفاحِ
على أشجارِ طابورِ الصباحِ
وقنواتُ المياهِ تلفُّ الخَصْرَ المايلَ بذراعٍ
والأخرى تَلْمَسُ العنقَ لترويَ جوعَ الليمون
تروي أشجارَ الخشخاشِ
والحارسُ يَمْتُقُ ريقَهُ ويَنْفُثُ تَبْغَهُ
لا يعرفُ أنَّ في الكونِ
حقولاً وفراديسَ من لبنِ الطيرِ...
(2)
الخيولُ المتعبةُ من غزواتِ الأمسِ
المُبللةُ من شَمْسِ دوثان، وعرقِ النهارِ،
وبقايا الجثثِ المنسيةِ في عزلةِ الكهوفِ
سهمٌ يُشيرُ... روما مرَّتْ مِنْ هنا...
هنا... أرصفةٌ وحجارةٌ وخُطى عرباتٍ قديمةٍ
وتُرْسٍ صَدِئَتْ عليه السنواتُ
وصُلبتْ عليهِ البطولاتُ.
أوكتافيوس.. أنت هنا؟
هذا الحصانُ قلبُكَ
يلهثُ على بواباتِ السماءِ في دوثانَ
أين بواباتِ القَصْرِ؟
أينَ حرّاسُك النُّبلاءُ الملائكةُ الفدائيونَ؟
أسألُكَ اليْومَ التاجَ مُضاعًا
لكنْ.. من يسألُ عن نبيِّ الجبِّ الـ كان هنا؟
أسألُهُ: لماذا تَرَكْتَ الخوفَ مزروعًا... هنا؟
هنا... واد التفاحِ تَعْرفُه
جِئْنا بَعْدَكَ... نَعْرِفُهُ
غَمّسْناهُ إفطارًا ونَعِسْنا على ذراعَيْهِ
حَلُمْنا برومِيّةٍ
يرنُّ الليلُ خلخالَها الذهبيَّ المرصَّعَ بِماسةٍ فارسية،
كَحُلمِ الأزهارِ الموؤودةِ في حقلِ الألغامِ
حلمِ الريحِ الـ تُراكِضُ ظبيةَ الربيعِ النافرةِ
على الحشائِشِ الغضّةِ
كأوّلِ شهقةٍ لنافذةٍ في دوثان...
(3)
الطّفلُ الذي ينظرُ حبّاتِ التفاحِ
وعيونٌ تُطِلُّ من جَسَدٍ تورَّدَتِ الألفةُ فيه
كَرهًا لأسيجةٍ شائكةٍ يَعْلَقُ فيها الصباحُ
كثًّا كشَاربانِ نَسيَهما الحارسُ كالنارنج
والحاجبُ يقي العرقَ المتصببَ
كأقنيةٍ تعبُّ ماءَ البئرِ
كالصباحاتِ الملغومَةِ بالسّنونو
حين تكونُ بلا حُلُمٍ جَميلْ...
(4)
صباحُ الخيرِ يا حقلَ الحكاياتِ
يا حقلَ الناياتِ والرباباتِ والأنغامْ.
صباحُ الخير يا حقلاً يتفتحُ بالألغامِ،
بالفراشاتِ
بِقُرُنْفُلَةٍ
بأريجِ الزّعْتَرِ
بالقصّابِ والنحلِ البريّ..
صباحُ الخيرِ يا دوثان
دمعةٌ، حين لا تصافِحُكَ، هيَ
يدُ طفلٍ مبللةٌ بصوتِ الجبِّ
بشهوة الخيلِ التي تلعبُ في المرجِ
وبشهوةِ العطشِ.
يا حقلاً
ننبتُ فيهِ
وندفنُ فيهِ
ونبعثُ فيهْ.
----------------------------------------------------------------------------
تل دوثان: من المواقع الأثرية في عرابة، ويعتبر من أهم المواقع الأثرية الفلسطينية، وهو من أهم مصادر دراسة التاريخ الفلسطيني القديم. يقع التل إلى الشرق من عرابة على بعد 2 كم. جرت فيه بعض الحفريات العلمية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين بمبادرة من المدرسة الأمريكية للأبحاث الشرقية. توصلت نتائج هذه الحفريات إلى الكشف عن توالي تتابع سكني في الموقع نفسه من 19 حقبة تاريخية رئيسية، حيث أنتجت التراكمات هذا التل الكبير الذي كان أهم تلك الفترات وهي الفترة البرونزية الكنعانية، فكانت إحدى أهم الممالك الكنعانية الحصينة في فترة العصور البرونزية، وقد تم العثور على أعداد هائلة من الأدوات والقطع الأثرية في هذا الموقع، والتي في معظمها إما صدّر للخارج أو موجود في المتحف الفلسطيني في القدس أو في متحف عمّان في جبل القلعة. وكانت تمر من هذا الموقع؛ الطريق التي تقطع أواسط البلاد من شمالها إلى جنوبها ثم إلى سيناء فمصر، وذكر أن سيدنا يوسف (عليه السلام) ألقي فيه، أي الجُبُّ من قبل إخوتهِ، ويعرف حاليًّا بـ(نبع الحفيرة)، وهو مجاور تمامًا لتل دوثان، وكان ذلك حسب الروايات التاريخية سنة 1678 ق.م. وقصته مشهورة ذكرها القران الكريم في سورة يوسف. وعلى ضوء هذه الرواية التاريخية حرص الحجاج المسيحيون المتجهون إلى الناصرة على المرور بهذا الموقع إلى أن تدخل الاحتلال العام 1967 وعمل على تحويل مسار الحج المسيحي.
Palestine and Israel /page 92
مشروع كتاب: "تاريخ عرابة": حسين العطاري.
تيماء
وردةٌ تُنبِتُ حديقةً،
يا حديقةً تنامُ في الوردةِ،
حين تَلُفُّ عُنُقَكِ يدايَ
لحظةَ أنْ أقبضَ بِنَبْضي على العاجِ،
أشعر أني ألتمُّ بالعمرِ قطارًا
إلى جنائنَ لنْ يَقطِفْها غيري
وأعودُ صغيرًا
أعودُ في العطرِ الذي تُرسلينَهُ سماءً،
كي أفهمَ معنى أن تدورَ بي الأرضُ
معنى أن تلثغَ تيما
شاكيةً
عابسةً
غاضبةً
ودأدأةً عذبةً: بابا.
ليالٍ مَضَتْ وأنا أحرُسُ حَديقةَ الوردةِ
أسيِّجُها بالضِّلعِ
كي تُهدِرَ الضَّحِكاتُ نَهراً مِنْ أصابِعِها
كَمَوجاتِ بَحرٍ تَلْمِسُ راحةَ المساءِ
ناعِمةً ساحرةً
تُثيرُ نَبيذَ الشَّمسِ.
تُنْسِيني ضَحِكاتُكِ يا تَيْمايَ
بَعضَ هُموميَ
وتَطْرُدُ مِنْ ذاكِرَتي أيامًا
ما زالتْ تُوسِعُني ضَربًا وتسألني: مَنِ انتصر؟
أنسى أنَّ سَمائِيَ داكِنةٌ
لا نَجمَ يُضِيءُ حُلْكَةَ لَيلِي
وأرضِي بائِسةٌ غَطَّاها الشّوكُ
وما عادَتْ تُزهر.
أنسى يا تَيْمايَ بينَ يَديْكِ
أني طَريدٌ في أرضي
أني زَرَدَةٌ في قيدِ حصارٍ وحشيّ
وأنَّ دمِيَ هو الأرخَصُ بينَ دِماءِ البشرِ
أنَّ بقائِيَ رهنُ مِزاجِ سلاحٍ ساديٍّ
وتَعلو ضَحِكَاتُكِ يا تَيْما
فَيَتَراقَصُ قَوسُ قُزَحٍ على وجه السّماءِ
وتنعسُ الغزالةُ على جَبينِكِ
وأرسُمُ بينَ يَديكِ خَريطَةَ وطني
وأغرقُ في دُنْياكِ
وبينَ دُماكِ ودَفترِ دَرسِكِ...
فيا لَيْتني، يا ابنتي، أحيا في عالَمِكِ الذي لا غَيرَ الثلجِ به لون.
أغطي أحْلامَكِ خَوفَ الغُولَةِ وذِئْبِ ليلى
حينَ تنامينَ على صدرِ دميةٍ،
وأنسِجُ من أنفاسِكِ فَجْرَ سلامٍ جَديدْ.
دائِمًا يا حديقتي هذا النّبضُ نبضي
سيظلُّ سربَ عصافيرٍ
وتظلِّينَ نشيدَ الكلماتْ.
ثلاثتهم .. رابعهم موجتي
يا حديقةً تنامُ في الوردةِ،
حين تَلُفُّ عُنُقَكِ يدايَ
لحظةَ أنْ أقبضَ بِنَبْضي على العاجِ،
أشعر أني ألتمُّ بالعمرِ قطارًا
إلى جنائنَ لنْ يَقطِفْها غيري
وأعودُ صغيرًا
أعودُ في العطرِ الذي تُرسلينَهُ سماءً،
كي أفهمَ معنى أن تدورَ بي الأرضُ
معنى أن تلثغَ تيما
شاكيةً
عابسةً
غاضبةً
ودأدأةً عذبةً: بابا.
ليالٍ مَضَتْ وأنا أحرُسُ حَديقةَ الوردةِ
أسيِّجُها بالضِّلعِ
كي تُهدِرَ الضَّحِكاتُ نَهراً مِنْ أصابِعِها
كَمَوجاتِ بَحرٍ تَلْمِسُ راحةَ المساءِ
ناعِمةً ساحرةً
تُثيرُ نَبيذَ الشَّمسِ.
تُنْسِيني ضَحِكاتُكِ يا تَيْمايَ
بَعضَ هُموميَ
وتَطْرُدُ مِنْ ذاكِرَتي أيامًا
ما زالتْ تُوسِعُني ضَربًا وتسألني: مَنِ انتصر؟
أنسى أنَّ سَمائِيَ داكِنةٌ
لا نَجمَ يُضِيءُ حُلْكَةَ لَيلِي
وأرضِي بائِسةٌ غَطَّاها الشّوكُ
وما عادَتْ تُزهر.
أنسى يا تَيْمايَ بينَ يَديْكِ
أني طَريدٌ في أرضي
أني زَرَدَةٌ في قيدِ حصارٍ وحشيّ
وأنَّ دمِيَ هو الأرخَصُ بينَ دِماءِ البشرِ
أنَّ بقائِيَ رهنُ مِزاجِ سلاحٍ ساديٍّ
وتَعلو ضَحِكَاتُكِ يا تَيْما
فَيَتَراقَصُ قَوسُ قُزَحٍ على وجه السّماءِ
وتنعسُ الغزالةُ على جَبينِكِ
وأرسُمُ بينَ يَديكِ خَريطَةَ وطني
وأغرقُ في دُنْياكِ
وبينَ دُماكِ ودَفترِ دَرسِكِ...
فيا لَيْتني، يا ابنتي، أحيا في عالَمِكِ الذي لا غَيرَ الثلجِ به لون.
أغطي أحْلامَكِ خَوفَ الغُولَةِ وذِئْبِ ليلى
حينَ تنامينَ على صدرِ دميةٍ،
وأنسِجُ من أنفاسِكِ فَجْرَ سلامٍ جَديدْ.
دائِمًا يا حديقتي هذا النّبضُ نبضي
سيظلُّ سربَ عصافيرٍ
وتظلِّينَ نشيدَ الكلماتْ.
ثلاثتهم .. رابعهم موجتي
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)