الأحد، 7 ديسمبر 2008

دوثــان

هذا الـ"دوثان" الكنعانيُّ/ وذاكَ الجُبُّ الـ ما زالَ يَرنُّ بهِ صوتُ النبيِّ/ والسَّيارةُ الـ تصعد في مسربِها إلى طريقِ الجبلِ.. تتماوجُ في صدى الصوتِ، وتلمسُ السّهلَ في غفوتهِ على رُكبةِ الفجرِ/ "دوثان" الشاهدُ على كعبِ فلستيٍّ دَقَّ كعبَهُ في وادِ التفاحِ على رقصٍ فينيقيٍّ وصَيحةِ قطاةٍ تُسْحِرُ السَّفحَ/ توقظُ الحُبَّ الخَجِلَ في عيونِ وَرّاداتِ الماءِ ربّاتِ الجِرارِ/ ليتطايرَ السُّمّنُ على صوتٍ حادٍ توضأ بالجُبِّ وتعالى بالعنّاتِ/ "دوثان" الاسمُ الأوّلُ واسمُنا الأخيرُ/ وشمٌ في الذاكرةِ/ الاسمُ الذي تدخلُ فيهِ الأسماءُ وتُخلقُ منهُ الأسماءُ/ ما زالَ ينادينا بأسماءِ جَدّاتنا وآبائنا كي لا ننسى أو لا يُنسى"دوثان"..


(1)

سَنابِكُ الخيلِ تنعفُ رائحةَ الترابِ..
تُحَمْحِمُ بشهوةٍ للأعشابِ
المُندّاةِ خلفَ سياجِ الحقلِ،
وعينانِ تطوفان بِحدودِ الجفنِ الناعسِ
تعدُّ الفراشاتِ
تنده فراخَ الحجلِ
تغازل الزّرزورَ الآتي من شتاءٍ قصيٍّ
والدُّوريّاتِ الـ يغرّدن على مَتْنِ العُلّيْقِ
والشمسُ تُدْفئُ الأرضَ الباردَةَ
و(مهارونُ) يَسقي رعاةً ملّوا عزفَ النايِّ بلا رقصٍ
نبيذًا يَحْتسونَهُ براحاتِهم
يتنشَّقونَ عرَقَ الماشيةِ
وحجارَةَ الأيامِ
والعشبَ الذي يمنحُهمْ قمصانًا لا تذوي.

تتراءى الخيلُ من دوثانَ الـ نامتْ على ثُمالةٍ
وطعمُ النومِ الـ مازالَ عالقًا على أهدابِ الفجرِ
والثوبُ الورديُّ تُطَيّرُه هَفهفةُ صوتِ الجُبِّ
تُطِلّ على وادِ التفاحِ
على أشجارِ طابورِ الصباحِ
وقنواتُ المياهِ تلفُّ الخَصْرَ المايلَ بذراعٍ
والأخرى تَلْمَسُ العنقَ لترويَ جوعَ الليمون
تروي أشجارَ الخشخاشِ
والحارسُ يَمْتُقُ ريقَهُ ويَنْفُثُ تَبْغَهُ
لا يعرفُ أنَّ في الكونِ
حقولاً وفراديسَ من لبنِ الطيرِ...
(2)

الخيولُ المتعبةُ من غزواتِ الأمسِ
المُبللةُ من شَمْسِ دوثان، وعرقِ النهارِ،
وبقايا الجثثِ المنسيةِ في عزلةِ الكهوفِ
سهمٌ يُشيرُ... روما مرَّتْ مِنْ هنا...
هنا... أرصفةٌ وحجارةٌ وخُطى عرباتٍ قديمةٍ
وتُرْسٍ صَدِئَتْ عليه السنواتُ
وصُلبتْ عليهِ البطولاتُ.

أوكتافيوس.. أنت هنا؟
هذا الحصانُ قلبُكَ
يلهثُ على بواباتِ السماءِ في دوثانَ
أين بواباتِ القَصْرِ؟
أينَ حرّاسُك النُّبلاءُ الملائكةُ الفدائيونَ؟
أسألُكَ اليْومَ التاجَ مُضاعًا
لكنْ.. من يسألُ عن نبيِّ الجبِّ الـ كان هنا؟
أسألُهُ: لماذا تَرَكْتَ الخوفَ مزروعًا... هنا؟
هنا... واد التفاحِ تَعْرفُه
جِئْنا بَعْدَكَ... نَعْرِفُهُ
غَمّسْناهُ إفطارًا ونَعِسْنا على ذراعَيْهِ
حَلُمْنا برومِيّةٍ
يرنُّ الليلُ خلخالَها الذهبيَّ المرصَّعَ بِماسةٍ فارسية،
كَحُلمِ الأزهارِ الموؤودةِ في حقلِ الألغامِ
حلمِ الريحِ الـ تُراكِضُ ظبيةَ الربيعِ النافرةِ
على الحشائِشِ الغضّةِ
كأوّلِ شهقةٍ لنافذةٍ في دوثان...



(3)

الطّفلُ الذي ينظرُ حبّاتِ التفاحِ
وعيونٌ تُطِلُّ من جَسَدٍ تورَّدَتِ الألفةُ فيه
كَرهًا لأسيجةٍ شائكةٍ يَعْلَقُ فيها الصباحُ
كثًّا كشَاربانِ نَسيَهما الحارسُ كالنارنج
والحاجبُ يقي العرقَ المتصببَ
كأقنيةٍ تعبُّ ماءَ البئرِ
كالصباحاتِ الملغومَةِ بالسّنونو
حين تكونُ بلا حُلُمٍ جَميلْ...

(4)

صباحُ الخيرِ يا حقلَ الحكاياتِ
يا حقلَ الناياتِ والرباباتِ والأنغامْ.
صباحُ الخير يا حقلاً يتفتحُ بالألغامِ،
بالفراشاتِ
بِقُرُنْفُلَةٍ
بأريجِ الزّعْتَرِ
بالقصّابِ والنحلِ البريّ..

صباحُ الخيرِ يا دوثان
دمعةٌ، حين لا تصافِحُكَ، هيَ
يدُ طفلٍ مبللةٌ بصوتِ الجبِّ
بشهوة الخيلِ التي تلعبُ في المرجِ
وبشهوةِ العطشِ.
يا حقلاً
ننبتُ فيهِ
وندفنُ فيهِ
ونبعثُ فيهْ.
----------------------------------------------------------------------------
تل دوثان: من المواقع الأثرية في عرابة، ويعتبر من أهم المواقع الأثرية الفلسطينية، وهو من أهم مصادر دراسة التاريخ الفلسطيني القديم. يقع التل إلى الشرق من عرابة على بعد 2 كم. جرت فيه بعض الحفريات العلمية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين بمبادرة من المدرسة الأمريكية للأبحاث الشرقية. توصلت نتائج هذه الحفريات إلى الكشف عن توالي تتابع سكني في الموقع نفسه من 19 حقبة تاريخية رئيسية، حيث أنتجت التراكمات هذا التل الكبير الذي كان أهم تلك الفترات وهي الفترة البرونزية الكنعانية، فكانت إحدى أهم الممالك الكنعانية الحصينة في فترة العصور البرونزية، وقد تم العثور على أعداد هائلة من الأدوات والقطع الأثرية في هذا الموقع، والتي في معظمها إما صدّر للخارج أو موجود في المتحف الفلسطيني في القدس أو في متحف عمّان في جبل القلعة. وكانت تمر من هذا الموقع؛ الطريق التي تقطع أواسط البلاد من شمالها إلى جنوبها ثم إلى سيناء فمصر، وذكر أن سيدنا يوسف (عليه السلام) ألقي فيه، أي الجُبُّ من قبل إخوتهِ، ويعرف حاليًّا بـ(نبع الحفيرة)، وهو مجاور تمامًا لتل دوثان، وكان ذلك حسب الروايات التاريخية سنة 1678 ق.م. وقصته مشهورة ذكرها القران الكريم في سورة يوسف. وعلى ضوء هذه الرواية التاريخية حرص الحجاج المسيحيون المتجهون إلى الناصرة على المرور بهذا الموقع إلى أن تدخل الاحتلال العام 1967 وعمل على تحويل مسار الحج المسيحي.
Palestine and Israel /page 92
مشروع كتاب: "تاريخ عرابة": حسين العطاري.

ليست هناك تعليقات: